بسم الآب والابن والروح القدس إله واحد،
له المجد دائمًا أبديًا آمين
من أبرآم بنعمة الله أسقف كرسي الفيوم والجيزة إلى أولادنا المباركين الشعب القبطي الأرثوذكسي.
لتكثر لكم النعمة والسلام والمحبة من الله أبينا والرب يسوع المسيح. أشكر إلهي في كل حين من جهتكم، لأنني أراكم دائماً نامين في كل فضيلة وفي كل موهبة، مجتهدين في الأعمال الخيرية الصالحة، ساهرين على خلاص نفوسكم، وهذا ما يجعلني أن أسر وأفرح بكم، واتحد معكم بكل صلاة وطلبة، كي يُنجح الله مقاصدكم، ويقويكم في سبيل البر.
فهلموا نركض سويًا أيها الأبناء وراء كل عمل صالح مفيد، لكي ندرك الكمال الموضوع لنا من المسيح يسوع ربنا. غير متهاونين في شيءٍ مطلقًا، بل عاكفين أنَّاء الليل وأطراف النهار على العبادة الصحيحة التي لربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، ولا نهمل الحضور إلى بيت الله أيام الآحاد والأعياد السيدية، لنشترك في سماع الكتب المقدسة والقداسات الإلهية، لتحل عليكم نعمة الله القدسية والبركات السمائية. فأنا أريد أن اصنع كل الجهد لأكتب إليكم يا أولادي، مذكرًا إياكم أن تجتهدوا في حفظ وحدانية الروح الواحد، والإيمان الأرثوذكسي الواحد، حتى لا يجد إبليس له مكانًا فينا.
تأملوا يا أولادي الأعزاء في حال هذه الأيام. فأنكم تجدون أناسًا كثيرين قد دخلوا خلسةً وتركوا الطريق المستقيم، فضَّلوا. كان خيراً لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعد ما عرفوه يرتدون عن الوصية المقدسة المُسلَّمة لهم (٢بط٢: ١٢).
هؤلاء الذين يضعون الشقاقات والعثرات خلافًا للتعليم الذي تعلمتموه. فأطلب إليكم أيها الأبناء أن تلاحظوهم وتَعرِضوا عنهم. لأن مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح، بل بطونهم، وبالكلام الطيب والأقوال الحسنة يخدعون قلوب السلماء البسطاء (رو١٦: ١٨). أما أنتم فلستم هكذا بل وطاعتكم قد زاعت إلى الجميع.
فأنا أفرح بكم وأريد أن تكونوا حكماء للخير، متيقظين، متذكرين كل حين مَتانة إيمانكم، وراسخين فيه، غير متزعزعين، سائرين كما يحق للدعوة التي دعيتم إليها بكل نشاط، ثابتين في روح واحد، مجاهدين معًا بنفس واحدة، حافظين ومتمسكين بالتعاليم التي تعلمتوها عن آبائكم وأجدادكم السالفين، الذين حافظوا على عقيدتكم الأرثوذكسية إلى آخر نسمة من حياتهم، محامين ومدافعين عنها حتى الدم. أولئك الذين لم يذعنوا إلى خرافات مُصطنعة وأكاذيب باطلة، التي كثرت بينكم في هذه الأيام.
أذكروا أبناء من أنتم وعن من قد تعلمتم، فإنكم تسلمتم إيمانكم الأرثوذكسي من حجر الزاوية سيدنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، عن يد كاروز الديار المصرية مار مرقس الإنجيلي.
نعم إني لم أكتب إليكم هذا كأنكم لا تعلمون الحق بل تعلمونه ومتأكدين إياه. وإنما رأيت من الواجب عليَّ إني ما دمت في هذا المسكن أن أُنهضكم بالتذكرة في كل حين ولا أهمل أن أُذكِّركم دائمًا بهذه الأمور، لتكونوا في نشاطٍ دائم عالمين ومثبَّتين في الحق. فإن كان أحد يعلِّمكم تعليمًا آخر لا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح، والتعاليم التي هي حسب التقوى ووصايا الكنيسة، فقد تصلَّف وهو لا يفهم شيئاُ. بل هو متعلل بمباحثات ومماحكات الكلام، التي منها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون الرديئة ومنازعات أناس فاسدي الذهن وعادمي الحق، يظنون أن التقوى تجارة (٢تي٦: ٥).
أما نحن فليس لنا عادة مثل هذه ولا لكنائس الله. بل خدام الله الأمناء سبيلهم أن لا يُخاصموا ولا يجادلوا ولا يشوشوا الأفكار. تجنَّبوا أنتم يا أولادي مثل أولئك الناس واعرضوا عنهم واهربوا إلى حضن كنيستكم المحبوبة لكي تنالوا الأجر تامًا. وعليكم بتلاوة الكتب المقدسة في أوقات فراغكم والمواظبة على سماع العظات الدينية والتعاليم الصادقة ليليًّا في كنيستكم المقدسة القبطية الأرثوذكسية دون خلافها، كي تُحسبوا من أولاد الطاعة المملوئين نعمة وبركة
ولي أمل بربنا يسوع المسيح في طاعتكم أن تقبلوا هذه الكلمات وتمجدوا أباكم الذي في السموات. وأنتم يا أولادي الكهنة المحبوبين في الرب يسوع المؤتمنين على سرائر الله السامية، عليكم بزيارة المنازل وتفقد العائلات وتنبيههم إلى ما في هذا. وعالجوا من هو مريض بينكم بأقوال النعمة المُحكِّمة للخلاص بربنا يسوع. ووَّفقوا بين الجميع بالمحبة الأخوية كي تنالوا الأجر العظيم في ملكوت السموات. وتلبسوا الأكاليل المُعدَّة لكي في السماويات من فادينا الأمين سيدنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي نسأله تعالى أن يحفظكم جميعاً بيمينه العالية وذراعه الحصينة في هذه الأيام الشريرة، ويرفع عنكم الموت والغلاء والوباء والتجارب والأحزان وكل مصائب الحياة، ويَمدَّكم بالبركات السمائية والخيرات النافعة المرضيَّة. ويهب لكم جزيل الصحة إلى منتهى أعماركم ويحسن لكم العافية في الدنيا والآخرة. وله الشكر أبديًا. آمين.
الأحد ٣٠ بشنس ١٦٢٤ش ٧
يونيو ١٩٠٨م
أبرآم أسقف الفيوم والجيزة
من تراث آباء القرن العشرين